البوليمرات الموصلة للكهرباء

يستغرق 6 دقيقة

في العام ٢٠٠٠م، ذهبت جائزة نوبل للكيمياء إلى كل من ألان هيجير Alan Heeger وألان مكديارميد Alan MacDiarmid وهيديكي شيراكاوا Hideki Shirakawa لاكتشاف وتطوير البوليمرات الموصلة للكهرباء. وصف الحاصلون على الجائزة تفاصيل اكتشافهم للمرة الأولى في دورية PRL العام ۱٩٧٧م أي قبل ٢٣ عامًا من حصولهم على الجائزة، وفي هذا الوقت، كان البلاستيك (أو بوليمر بشكل عام) يعتبر من العوازل، ولكن الفريق أوضح أنه بإضافة بعض الشوائب إلى البوليمر يمكن زيادة توصيليته بأكثر من مليار مرة!

نتج عن عمل الباحثين ظهور مجال الإلكترونيات البلاستيكية، والذي أدى إلى تطبيقات تجارية عديدة، وساعد أيضًا في إثارة مجالات جيدة للبحث النظري في فيزياء المواد الصلبة بتوضيح بعض خواص البوليمرات الغريبة، كحاملات الشحنة التي- بخلاف الإلكترون- لها لف مغزلي يساوي صفرًا. واللف المغزلي في ميكانيكا الكم وفيزياء الجسيمات هو خاصية تمثل دوران الجسيم حول نفسه.

 

بوليمر
تعمل الدائرات الإلكترونية المرنة حتى عند ثنيها.

يُعتبر البلاستيك من العوازل الجديرة بالثقة، ولهذا فإنها تستخدم عادة كأغطية حامية حول الأسلاك الكهربية. وبحلول العام ۱٩٧٠م عمل الكيميائيون على بعض الجزيئات العضوية القادرة على التوصيل، ولكن فكرة وجود جزيْء كربوني طويل السلسلة وموصل للكهرباء كان شيئًا “لم يخطر ببال أحد” على حد قول ريتشاد فريند Richard Friend من جامعة كامبريدج. ومن المعروف أن البوليمرات أرخص بكثير في تصنيعها من المواد الإلكترونية العادية، وهذا السبب كافٍ أن تكون لنتائج البحث “تأثير ضخم” بحسب فريند.

بوليمر البولي أسيتيلين

عمل كل من هيجير وماكديارميد وشيراكاوا من جامعة بنسلفانيا على البولي أسيتيلين Polyacetylene والذي يتكون من سلسلة طويلة من ذرات الكربون، كل منها ترتبط بذرتي كربون مجاورة وذرة هيدروجين وحيدة. وروابط الكربون-كربون لا تكون متماثلة؛ فهي تتبادل مع بعضها البعض ما بين الرابطتين الأحادية والثنائية. وفي الحالة الطبيعية تبقى الإلكترونات في مكانها ولا تستطيع أن تنقل التيار الكهربي، ولكن عندما قام الفريق بتطعيم المادة بمستقبل قوى للإلكترونات Strong electron acceptor كاليود I  يبدأ البوليمر في توصيل التيار بكفاءة الفلز، بتوصيلية أعلى 1010  مرة من البولي أسيتيلين النقي. وأكد الباحثون على أن البوليمر أصبح موصلًا بأن وضحوا امتصاصه وعكسه للأشعة تحت الحمراء بعيدة الطيف والذي سببه التطعيم، في حين أنّ البوليمر النقي يكون شفافًا لهذه الأشعة. في هذا النطاق من الأشعة تحت الحمراء، تسمح الفوتونات لإلكترونات البولي أسيتيلين بامتصاص طاقتها ودخول ما يسمى بنطاق التوصيل Conduction band.

شكل 1: تقترب توصيلية البولي أسيتيلين المطعم من توصيلية فلز النحاس

ويذكر هيجير أنّه على الرغم من أن الفريق كان علي دراية بالتطبيقات التجارية الممكنة للفئة الجديدة من البوليمرات الموصلة، كان عملهم في السنين التالية دائمًا مدفوعًا بتساؤل فيزيائي محض:

كيف يمكن للبولي أسيتيلين أن يصبح موصلًا؟

أظهرت أعمالهم التالية أن البولي أسيتيلين والمواد المشابهة تتصرف بطريقة مختلفة عن أشباه الموصلات والموصلات التقليدية؛ وأحد الأسباب هو أنه عند مستويات التطعيم المتوسطة، لا ينتقل التيار بالإلكترونات شبه الحرة التي تغير مكانها كما في السيليكون أو النحاس، ولكن بالإلكترونات في روابط الكربون-كربون. عندما يزيح الشائب dopant إلكترون من الجزيء، يمكنه تحويل رابطة مزدوجة لرابطة أحادية بها إلكترون وحيد، مما يجبر ذرة الكربون على تكوين روابط أحادية مع كل من جارتيها، وهذا “العيب” المشحون يسمي بولارون Polaron، ويمكنه الارتحال على الجزيء لأن كل ذرة كربون تالية تقتنص إلكترون من جارتها في محاولة لتعويض الشحنة.

ولأن أطوال الروابط الثنائية والأحادية مختلفة، ترتبط حركة الشحنة ارتباطًا وثيقًا بالإجهادات والانفعالات Stresses and Strains بين ذرات الكربون نفسها وليس فقط إلكتروناتها.

وتم الكشف عن خواص غير متوقعة للبولارونات وعيوب البوليمرات طويلة السلسلة الأخرى والتي تدعى بالسوليتونات Solitons، كوجود اللف المغزلي في غياب الشحنة أو الشحنة في غياب اللّف المغزلي. يُعتبَر الفصل ما بين الشحنة واللّف المغزلي في الجسيمات أحادية البعد مساحة نشطة لأبحاث المواد الصلبة حتى اليوم، ويُظَن في الغالب أن له علاقة ما بأشباه الموصلات التي تعمل في درجات الحرارة العالية High Temperature Superconductors.

كفيزيائي، يفتخر هيجير بالمساعدة في وضع أرضية مجال البوليمرات شبه الموصلة والفلزية، وبحصوله على جائزة نوبل في الكيمياء. ويقول: “إنه لشيء جيد أن نذلل هذه الفروق الأكاديمية التقليدية ما بين التخصصات”، ويقول هيجير عن الإبحار ما بين التخصصات: “إنّه المكان الذي يجب أن يتواجد الشخص فيه”.


المصدر.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

المساهمون في المقال

كتابة: محمد شوبك

مراجعة: متطوعة

تدقيق: نفيسة عبد الرحمن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *