التوصيف بالمجهر الضوئي

يستغرق 14 دقيقة

إن المجهر الضوئي له تطبيقات واسعة؛ فهو أداة قوية لفحص البنية المجهرية microstructure لمدى واسع من المواد. من المهم أن نعلم أنه علينا الاختيار بين أحد النظامين التى تعمل بهما المجاهر الضوئية، وهما: نظام الضوء المنعكس Reflected Light-microscopy، ونظام الضوء النافذ Transmitted light-microscopy.

يُستخدم نظام الضوء المنعكس مع مدى واسع من المواد كالمواد السيراميكية والفلزات والمواد المركبة. ينشأ التباين بين المناطق المختلفة من اختلاف التضاريس السطحية ومعامل الانعكاس لتلك المناطق. (مثال: الأطوار phases المختلفة، أو الحدود الفاصلة بين الحبيبات grain boundaries). تمر العينة بمجموعة خطوات تسبق عملية الفحص، أو ما يُعرف بتقنيات تجهيز العينة، وعند تنفيذ تلك التقنيات بشكل صحيح كفاية يمكننا الحصول على صور بدقة أوضح.

أما نظام الضوء النافذ، فهو يستخدم في حالة إذا كانت العينة شفافة، أي شريحة دقيقة لا يتجاوز سمكها عشرات الميكرونات. ينشأ التباين نتيجة الاختلاف في امتصاص الضوء بين المناطق المختلفة. تُستخدم هذه الطريقة في فحص المعادن، الصخور، الزجاج، المواد السيراميكية، والبوليمرات. بالإضافة إلى ذلك، تم تحسين هذا النظام بشكل أكبر وذلك باستخدام الضوء المستقطب.

معروف أن الضوء هو عبارة عن موجات كهرومغناطيسية تتكون من مجالين متعامدين أحدهما كهربي والآخر مغناطيسي ومتعامدين على اتجاه انتشار الموجة. يمكن لبعض المواد- خاصة البللورية- استقطاب الموجة المغناطيسية؛ أي أن تسمح فقط بنفاذ مُركبة المجال الكهربي وتمنع مُركبة المجال المغناطيسي. التصوير بالضوء المستقطب هو استخدام متخصص في نظام الضوء النافذ، والتباين هنا يحدث نتيجة اختلاف معامل الانكسار المزدوج وسمك العينة. وهذا يسمح برؤية الحبيبات، واتجاه الحبيبات، بالإضافة إلى السُمك.

تجهيز العينة

عند تجهيز العينة للفحص المجهري، من المهم أن يكون ما نفحصه مُمثلًا لكامل العينة. عادة ما يكون هذا غير ممكن باستخدام عينة مفردة؛ لذلك من الجيد أن نأخذ عينات عديدة من المادة التي نقوم بدراستها في أكثر من اتجاه. وتعتمد كيفية تجهيز العينة على خصائص المادة. على سبيل المثال، تكون المواد اللينة جدًا صعبة التلميع ميكانيكيًا.

  1. قطع العينة

من المهم أن ننتبه إلى أن إعداد العينة قد يغير من البنية المجهرية للمادة، وذلك عن طريق التسخين أو الضرر الكيميائي أو الميكانيكي. تعتمد كمية الضرر على الطريقة التي يتم بها تقطيع العينة وعلى مادة العينة ذاتها. على سبيل المثال، القطع باستخدام منشار من المواد الكاشطة (شكل 1) من الممكن أن يسبب كمية كبيرة من التلف، في حين أن استخدام منشار ماسي منخفض السرعة يسبب مشاكل أقل. توجد الكثير من طرق القطع المختلفة، وبعضها يُستخدم مع أنواع معينة من العينات.

تجهيز العينات للفحص
شكل 1: القطع بالمواد الكاشطة.

 

  1. إسناد العينة Mounting

من الضروري إسناد العينة في وسط مناسب يُمكّننا من تناولها بسهولة، وأيضًا حتى نتلافى الضرر الذي قد يحدث للعينة. يجب ألا يؤثر وسط الإسناد على العينة نتيجة لتفاعل كيميائي أو إجهاد ميكانيكي، وفي حالة إذا لزم تلميع العينة كهربيًا أو فحصها باستخدام المجهر الإلكتروني الماسح، حينئذ يجب أن تكون مادة الإسناد موصلة للتيار الكهربي.

يمكن إسناد العينة في البوليمر على الساخن عند حوالي 200 درجة سيليزية باستخدام لدائن تتصلب بالحرارة مثل (راتنجات الفينول)، وهي بوليمرات يحدث لها تصلب عن طريق التسخين، أو باستخدام بعض اللدائن الأخرى (Thermoplastics) التي تلين بالحرارة وتتصلب مرة أخرى بالبرودة مثل (راتنجات الأكريليك). وفي حالة إذا كان الإسناد على الساخن سوف يؤثر على تركيب العينة، يمكن استخدام راتنجات تتصلب على البارد، مثل الإيبوكسي، الأكريليك، والبوليستر.

في هذا الفيديو نرى كيف يتم إسناد عينة معدنية في البوليمر على الساخن:

أما المواد المسامية، فيجب أن تكون مُشربة بالراتنجات قبل الإسناد أو التجليخ (الصنفرة)؛ حتى نمنع وسط التجليخ من أن يُحبس داخل المسام ونحافظ على الهيكل المفتوح للمادة.

يكون سمك المادة الموضوعة بداخل العينة عادة مساويًا لنصف قطرها؛ حتى نمنع تأرجح العينة أثناء عماية التجليخ والتلميع. الحواف أيضًا يجب أن تكون دائرية من أجل تقليل الأضرار الناشئة على قرصي التجليخ والتلميع (شكل 2).

mounting
شكل 2: أبعاد عينة مُسندة. البوليمر (بالأحمر) يحيط بالعينة (بالرمادي)، فيسهل تناولها ويقلل من الضرر المعرضة له.

 

  1. التجليخ أو التنعيم Grinding

بعد عمليات القطع، لا بد من تجليخ العينة جيدًا للتخلص من الطبقات السطحية التي تضررت بواسطة القاطع. تتم عملية التجليخ بواسطة أقراص دوارة كاشطة (ورق صنفرة) ومادة مبردة لإزالة الحرارة والرايش. وأحد المواد المستخدمة في هذه العملية ورق كربيد السيليكون المبلل. ويتم تحديد خشونة الورق المستخدم بواسطة رقم يدل على عدد حبيبات الكربيد لكل بوصة مربعة؛ فمثلًا يكون ورق الصنفرة رقم 180 أكثر خشونة من الورق رقم 1200.

تمر عملية التنعيم بمراحل عديدة، وفي كل مرحلة يُستخدم ورق أكثر نعومة من المرحلة السابقة، بحيث يستطيع الورق الأنعم إزالة ما تبقى من خدوش بعد استخدام الورق الأكثر خشونة (شكل 3).

يتم تحقيق ذلك بسهولة أكبر من خلال توجيه العينة بشكل عمودي على الخدوش من المرحلة السابقة ومشاهدة الخدوش يتم طمسها. بين كل مرحلة من مراحل التنعيم، يتم غسل العينة جيدًا بالماء والصابون لمنع تراكم الحبيبات الخشنة على سطح العينة، حتى نصل إلى الدرجة الأنعم والتي تتحقق غالبًا باستخدام ورق صنفرة رقم 1200، ثم يتم غسل العينة جيدًا بالماء، متبوعًا بالكحول، وتركها لتجف.

يمكن تعيين نقطة البداية للتنعيم (أي رقم ورقة الصنفرة الأولى) باستخدام العلاقة التجريبية التالية:

رقم ورقة الصنفرة = 16000 \عرض أكبر خدش بالميكرون

الميكروسكوب
شكل 3: مراحل تنعيم عينة من النحاس بورق صنفرة رقم 180، 400، 800، 1200 على الترتيب.

 

  1. تلميع العينة Polishing

تُغطَّى أقراص التلميع بقطعة قماش ناعمة مشربة بجسيمات الماس الكاشطة وزيوت التشحيم. يتم التلميع على مرحلتين: خشن ثم ناعم. في مرحلة التلميع الخشن، والذي يتم عادة باستخدام جسيمات من الماس بقطر 6 ميكرون، تُزال الخدوش المتبقية من عملية التجليخ الأخيرة. المرحلة التالية هي مرحلة التلميع الناعم، وتتم باستخدام جسيمات من الماس بقطر 1 ميكرون، وتعمل على إنتاج سطح ناعم. قبل التلميع الناعم يجب أن تُغسل العينة جيدًا بماء دافئ وصابون ثم الكحول من أجل إزالة التراكمات الناتجة من ورق الصنفرة.

عادة ما يترك التلميع الميكانيكي طبقة غير منتظمة على سطح العينة. في حالة إذا كانت العينة عُرضة للتلف الميكانيكي من خلال قوة زائدة أثناء عملية التجليخ أو التلميع، قد يظل بعض الحطام على سطح العينة أو يحدث تشكل للعينة تحت السطح. التلميع الكهربي أو الكيميائي بإمكانه إزالة هذا التشوه والحطام مخلفًا وراءه سطحًا مستويًا وناعمًا.

التلميع الصقل
شكل 4: عينة من النحاس تم تلميعها بجسيمات الماس 6 ميكرون (يسار) وأخرى لمستوى الواحد ميكرون (يمين).
  1. التنميش Etching

الغرض من هذه العملية هو كشف الحدود البللورية للمادة بمهاجمتها كيميائيًا، كما تُستخدم أيضًا لإزالة الطبقات الرقيقة المعرضة للضرر أثناء عملية التجليخ أو التلميع.

في السبائك المكونة من أكثر من طور، ينشأ التباين بين المناطق المختلفة من خلال الاختلاف في تضاريس السطح أو مُعامل الانعكاس للضوء. يتأثر معدل الكشف أو الإظهار بالاتجاهات البللورية، الطور الموجود، وثباتية هذا الطور. هذا يعني أن التباين يحدث بواسطة آليات مختلفة؛ وبالتالي يكشف الملامح المختلفة للعينة (شكل 5).

تهاجم محاليل التنميش المواقع ذات الطاقة الحرة العالية، مثل حدود الحبيبات ومواقع العيوب البللورية imperfections. وتتم هذه العملية باستخدام بعض المحاليل والتي تتوقف على نوع العينة. فعلى سبيل المثال: يُستخدم محلول مشبع من كلوريد الحديد مع قطرات من حمض الهيدروكلوريك لتنميش سبائك الصلب المقاوم للصدأ وسبائك النحاس. يُمسح سطح العينة بالمحلول باستخدام مناديل قطنية، ثم بعد ذلك تُغسل العينة جيدًا في الكحول وتُجفف.

المجهر الضوئي
شكل 5: ينشأ التباين من اختلاف زاوية انعكاس الضوء، فالجزء المعرض للتنميش يعكس الضوء بطريقة مختلفة عن باقي أجزاء العينة.

 

قد يلي تلك العملية تكوُّن عدد هائل من الحفر الصغيرة pits على السطح. هذه الحفر تحدث نتيجة الهجوم الكيميائي المُركز الذي قام به المحلول على السطح، وفي معظم الحالات فهي لا تمثل أحد مكونات التركيب المجهري الذي نبحث عنه. تحدث هذه الحفر غالبًا في مواقع العيوب، حيث توجد تركيزات عالية من الانخلاعات dislocations.

في بعض الأحيان يتم المبالغة في إضافة محلول التنميش، أو تركه لمدة طويلة، مما يتسبب في أن تكبر الحفر وتُطمَس المعالم الأساسية التي نبحث عنها. في حالة حدوث ذلك، من الأفضل إعادة جلخ العينة من أجل إزالة تلك الطبقة التالفة، ومن ثم إعادة تلميعها وإضافة محلول التنميش. يجب توخي الحذر أثناء إضافة المحلول، لأن إعادة عملية التجليخ أكثر من مرة ربما لا تترك لنا شيئًا لنراه إذا كانت العينة رفيعة للغاية.

etching
شكل 6: صورة توضح الفرق بين عينة من النحاس تمت إضافة الكاشف لها بشكل مناسب على اليسار، وأخرى تمت المبالغة في إضافة الكاشف على اليمين.

 

وأخيرًا، فإنه من المفترض أن يكون السطح النموذجي لعملية الفحص مسطحًا ومستويًا، وإلا فإن تركيز الصورة focus لن يكون ثابتًا خلال مجال الرؤية؛ فمثلًا قد يصبح مركز العينة في مجال التركيز بينما الجوانب خارجه.

ملخص

  1. المجهر الضوئي أداة قوية ومفيدة في عملية فحص المواد، كما أنه يُستخدم للحصول على معلومات قيمة بخصوص عينات مختلفة وكثيرة. لا بد من توافر بعض المعرفة عن المواد التي نقوم بدراستها من أجل اختيار أفضل الطرق للتجهيز والفحص.
  2. تجهيز العينة مرحلة حرجة جدًا، لأنه بناء على هذه الخطوة تتحدد جودة الصورة التي نحصل عليها.
  3. واحدة من القيود المرتبطة بالمجهر الضوئي هي دقة الصورة؛ فالصور الأكثر دقة نحصل عليها من خلال المجهر الإلكتروني الماسح SEM.

المصدر.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

المساهمون في المقال

كتابة: عبد المحسن محمد

مراجعة: متطوعة

تدقيق: أسامة فؤاد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *