الثورة الأولى في إنتاج الصلب

يستغرق 8 دقيقة

تظل الأفكار محض أحلام حتى يأتي من يُطبّقها.

طريقة بسمر

في الرابع والعشرين من أغسطس 1856م، تحديدًا في مقر الجمعية البريطانية للعلوم ببلدة شلتنهام Cheltenham جنوب إنجلترا، حيث المرة الأولى التي شرح فيها هنري بِسِمَر Henry Bessemer طريقته لإنتاج الصلب عالي الممطولية بدون وقود- كما وصفها-. كانت تلك الطريقة تتمحور حول نفخ الهواء الجوي في الحديد الغفل Pig Iron للتخلص من الشوائب على هيئة أكاسيد بعد تفاعلها مع الأكسجين الموجود في الهواء، وبالتالي إنتاج الحديد الصلب على نطاق صناعي كبير، حيث نتجت طاقة حرارية كبيرة من نفخ الهواء في الحديد المنصهر سهلّت العملية على عكس المتوقع، والسبب بالطبع أن تفاعل الأكسدة طارد للحرارة.

شكَّل هذا الاختراع طفرة في صناعة الصلب حينذاك، حيث أنه لم يكن هنالك سوى نوعين من الحديد يمكن استخدامهما في الأغراض الصناعية والإنشائية: وهما الحديد الزهر Cast Iron والحديد المطاوع Wrought Iron، ونتج عن استعمالهما في المنشآت والطرق العديد من الكوارث، خصوصًا تلك التي اعتمدت على الحديد الزهر.

بعد تسجيل هنري براءة اختراع بطريقته الجديدة، قام ببيعها للعديد من مصنعي الصلب وجنى مالًا وفيرًا؛ لأن أي مُصنِّع توجب عليه الحصول على تصريح من بسمر لاستخدام الطريقة الخاصة به، والمفاجأة أن الجميع عاد وطالبه بتعويضات بعد الفشل الذريع للصلب الناتج. فيما بعد أسس هنري شركته الخاصة لصناعة الصلب وتعاون مع بعض علماء الفلزات للوصول لحل مشكلة جودة الصلب.

طريقة بسمر bessemer process
مُحوّل بسمر في أحد متاحف مدينة شيفيلد التي ذاع صيتها بسبب صناعة الصلب.

معوقات تقنية

تنفيذ أفكار السير هنري لم يكن بسهولة المبادئ التي اعتمدت عليها، لقد واجهت طريقته العديد من المعوقات التقنية والميكانيكية، إليك بعضها:

  1. تفريغ الشحنة من المحول. فبعد اتمام عملية ضخ الهواء مباشرةً يكون خام الحديد المنصهر بالغ السخونة، لكنه لا يبقى على هذه الحالة لفترة طويلة ويبدأ بالتصلب فورًا، لهذا وجب كون المحول برميلي الشكل وحر الحركة بطريقة ما.
  2.  بطانة المحول. بالطبع عملية التبطين وإيجاد الحراريات المناسبة لتحمل درجات الحرارة المرتفعة والظروف القاسية للتشغيل تُعتبر أساسية لعمل المحول.
  3. أنابيب نفخ الهواء داخل المحول تحتاج إلى فوهات تصمد خلال الحديد المنصهر، بالإضافة إلى إيجاد طريقة لمنع مصهور الحديد من الخروج عن طريق فوهات الهواء، أيضًا كان هناك حاجة لضغط هواء مرتفع لاختراق أطنان الحديد المنصهر.
  4. بالإضافة لكل ما سبق، هناك حاجة لبنية تحتية قوية للعملية ككل بما في ذلك الخامات المستخدمة وقوالب الصب وغيرها. أو بعبارة أخرى، السيولة المالية كانت مطلبًا أساسيًا قبل البدء في التجارب الأولية.

جودة الصلب الناتج

لقد كان بسمر مدركًا لكل هذه المعوقات، ونجح بالفعل في التغلب عليها بعد إقناع صنّاع الصلب بمساعدته، ولكنه فشل فشلًا ذريعًا في إنتاج صلب عالي الجودة، والسبب يتلخص في الرسم البياني التالي.

صناعة الصلب
توضح العلاقة كيفية تغير تركيزات بعض الشوائب أثناء عملية ضخ الهواء. المصدر: Buchwald. Iron, steel and cast iron before Bessemer.

المشكلة الكبرى أن بسمر لم ينجح في التخلص من الفسفور P كما ترى في الشكل، ويؤدي وجود الفسفور بهذه النسبة إلى تقصف الصلب الناتج. تخيل معي أنك تود الحصول على صلب لا يتجاوز تركيز الكربون فيه 0.5% مثلًا، يجب علينا إذن أن نوقف ضخ الهواء بعد 12 دقيقة وعدة ثواني، وهو أمر مستحيل بالطبع (لاحظ زيادة نسبة النيتروجين N بالاستمرار في نفخ الهواء، والأكسجين كذلك) كما يظهر في الرسم البياني الماضي. لاحظ أيضًا أن الاستمرار في التخلص من الشوائب يزيل الكربون كذلك!

وظّف بسمر ثلاثة من علماء الفلزات للعمل على حل المشكلة- نظرًا لضعف معرفته بعلم الفلزات على حد تعبيره- وبعدما توصّلوا للسبب (الفسفور)؛ بدأوا العملية من خامات حديد لا تحتوي على الفسفور، والتي هي نادرة بالمناسبة وعلى الأقل لم تكن متاحة في إنجلترا، فاضطروا لاستيرادها. كما توصلوا أيضًا للوقت المثالي لإيقاف العملية بعد عدة تجارب، وبذلك أنتجوا صلبًا أفضل بعض الشيء.

طوق النجاة لعملية بسمر

ثم اكتشف عالم الفلزات البريطاني روبرت ماشيت Robert Mushet حلًا مذهلًا قادر على تحويل صلب بسمر الرديء إلى صلب جيد، والحل هو: سبيكة سبيجيلايزين Spiegeleisen (“حديد المرآة” بالمعنى الحرفي في اللغة الألمانية). وبذلك أصبحت العملية الأنسب عبارة عن إزالة الكربون تمامًا من الحديد بالاستمرار في ضخ الهواء، ثم إضافة سبيكة الفرومنجنيز إلى المصهور (حيث تحتوي تلك السبيكة على الحديد مع حوالي 15% من المنجنيز بالإضافة للكربون والقليل من السيليكون).

وبينما مثَّل هذا الاكتشاف طوق نجاة لعملية بسمر، لم يكن الوضع كذلك بالنسبة لروبرت (مكتشف هذا التأثير السحري للفرومنجنيز)، فلم يستطع تسجيل براءة اختراع خاصة به رغم إدراكه للجدوى الاقتصادية لهذا الاكتشاف، وقد رفض هنري بسمر شراكة روبرت ماشيت وخصص له راتب تقاعد يقدر بثلاثمائة جنيه استرليني سنويًا، في حين سجل بسمر المزيد من براءات الاختراع مستفيدًا من اكتشافات ماشيت.

حديد المرآة
حديد سبيجيلايزين. حقوق الصورة: Andrew Silver. Public domain

أما عن التأثير السحري لهذه السبيكة فيتمثل في أن:

  1. تفاعل المنجنيز مع الكبريت المتبقي في المصهور و خروجه مع الخبث، مما ساعد في القضاء على ظاهرة التقصف عند درجات الحرارة المرتفعة الناتجة عن بقاء الكبريت Hot Shortness.
  2.  المنجنيز عنصر شره للأكسجين، مما يجعله مفيدًا في عملية “قتل” الحديد، أي نزع الاكسجين خارج مصهور الحديد في صورة أكسيد المنجنيز، والذي يساعد بدوره على تكوين الخبث.
  3.  الكربون في الفرومنجنيز يقوم بصناعة سبيكة الصلب الكربوني من الحديد، معوضًا الكربون المفقود بعد ضخ الهواء.

وبذلك استمر بسمر في الاستحواذ على حوالي 30% من إنتاج الصلب في العالم، بعد تغلبه على كل المشاكل السابقة. ولكن ما زالت مشكلة الفسفور قائمة (حتى بعدما اعتماده على الخامات الخالية منه) إلى أن جاء رجل آخر من رجال الصلب وقدّم حلًا عبقريًا. انتظروا مقالنا التالي!


المصادر:

(1)، (2)

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

المساهمون في المقال

كتابة: أحمد سمير

مراجعة: محمد عبد العليم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *