المواد فائقة الكره للماء

يستغرق 9 دقيقة

تُرى ما الشيء المشترك ما بين أوراق زهرة اللوتس وأقدام البُرص؟ الكراهية الفائقة للمياه Superhydrophobicity، ونكتشف خواص وفوائد هذا النوع من المواد معًا في هذا المقال.

لنفهم طريقة عمل المواد الكارهة للماء، دعونا نبدأ بشرح مختصر للتوتر السطحي Surface tension وزاوية التلامس Contact angle.

التوتر السطحي

توجد قوى تجاذب بين جزيئات أي سائل وبعضها نسميها قوى التماسك، ولأن جزيئات السائل على السطح ليست محاطة من كل الاتجاهات بجزيئات أخرى (حيث تفتقد لتكوين روابط مع جزيئات فوقها كما هو الحال مع الجزيئات الموجودة في وسط السائل)، فإنها بالتالي تصبح أقل استقرارا، ومن ثم تملك حرية أكبر في تكوين روابط مع جيرانها ومثيلاتها على السطح (صحيح أن الجزيئات على السطح لا يمكنها الإقتراب من بعضها البعض بصورة مبالغ فيها؛ حيث تمنعها الجزيئات في الطبقة التالية من ذلك، ولكنها أيضا تتمكن من تكوين روابط أقوى فيما بينها مقارنة بالجزيئات وسط السائل).

وينتج التوتر السطحي عن هذا الارتباط القوي نسبيا على السطح، وهو ما يُمثل المقاومة للأجسام التي نحاول إدخالها إلى السائل. ويمكننا القول أن التوتر السطحي هو قيمة القوة المطلوبة لكسر غشاء من السائل طوله 1 سم، ونعبر عن القوة بوحدة الداين (dyn)، حيث 1 داين (dyn) يكافئ 10 ميكرو نيوتن (µN). فيما يلي قيم التوتر السطحي عند 20 درجة مئوية لكل من البنزين والماء والزئبق: 29 داين\سم، 73 داين\سم، 487 داين\سم على التوالي.

 

 

لاحظ أنه في حالة المواد الصلبة أيضا لاترتبط الجزيئات على السطح بشكل قوي كتلك الموجودة بالداخل، والطاقة الناتجة عن ذلك يشار لها بطاقة السطح surface energy، وكلما زادت طاقة السطح للمادة، كلما زادت قدرتها على الارتباط بالمواد الأخرى.

زاوية التلامس

في حالة السائل الموضوع على سطح مادة صلبة في بيئة غازية، يمكن تعريف زاوية التلامس على أنها الزاوية التي يُكوِّنها السائل مع النقطة المشتركة بين السائل والصلب والغاز. ونتيجة للتوتر السطحي العالي للماء، فإنه يميل لتكوين قطرات كروية على أسطح معظم المواد، وذلك بهدف تقليل مساحة سطحه وبالتالي طاقته؛ لأن الكرة من بين كل المجسمات- كما نعلم- لها أقل مساحة سطح مقارنة بحجمها، ولذلك غالبا ما تكون زاوية تلامس الماء كبيرة.

ويجب التنويه على أن الأمر يختلف باختلاف مادة السطح، حيث للماء قدرة عالية على الارتباط بجزيئات السطح الملامس له إذا كانت مادته مناسبة. المواد الكارهة للماء هي تلك التي تحوز طاقة سطح منخفضة لذا لا تجذب الماء نحوها، وتكون زاوية التلامس لهذه المواد أكبر من 90 درجة. أما المواد المحبة للماء، كالزجاج مثلا، لها طاقة سطح مرتفعة وينتشر الماء عليها، وتكون زاوية التلامس لهذه المواد أقل من 90 درجة.

زاوية التلامس contact angle
لاحظ اختلاف زاوية تلامس قطرة من سائل معين مع أسطح مختلفة. حقوق الصورة.

تعديل البنية الميكروسكوبية للسطح، بمعنى آخر إضافة الاعوجاجات أو الخشونة، يعزز ويقوي الإتجاه الطبيعي للسطح، مما يعني أنه يقلل زاوية التلامس بالنسبة للأسطح المحبة للماء، ويزيدها بالنسبة للأسطح الكارهة للماء حتى إذا أضحت الزاوية أكبر من 150 درجة، تُصنف المادة على أنها فائقة الكره للماء. تخيل معي قطرة من السائل ترسو على قمة الخشونات، لا شك أن الزيادة في زاوية التلامس تكون أكبر منها إذا كانت قطرة السائل مستقرة في تلامس لطيف مع السطح الأصلي. ماذا لو أن الخشونات نفسها على المستوى الميكروسكوبي لديها وعورة roughness على مستوى النانو؟ لا بد أن خاصية كره الماء ستتضاعف إذا تمكننا من فعل ذلك.

للطبيعة لمستها الخاصة

المواد الكارهة للماء hydrophobic

في الطبيعة مثالان رائعان على المواد فائقة الكره للماء: زهرة اللوتس وقدم الوزغ (البرص). وفي واقع الأمر، يتم الإشارة إلى الكراهية الفائقة للماء في بعض الأحيان بتأثير اللوتس، وتتكون أوراق اللوتس من نقيرات ميكروسكوبية ونانوية مطلية بطبقة من الشمع الكاره للماء، وتجعل هذه البنيةُ المزدوجة الأوراقَ فائقة الكراهية للماء، فيصنع الماء زاوية تلامس تصل إلى °170، مما يعطي ورق اللوتس خاصية ذاتية التنظيف، وهي التي تؤدي إلى كوْن أوراق اللوتس خالية من الأوساخ أو البكتريا رغم نموها في البرك الموحلة.

وبالمثل، يبهر البرص عامة الناس والعلماء على حد سواء حين يمشي مقلوبا بسرعة رهيبة. فأقدامه مغطاة بألياف صغيرة مصنوعة من بروتين الكرياتين keratin، فتمكنه من الالتصاق بقوة بالسطح ولكن في نفس الوقت تسمح له برفع قدميه بسرعة، وبالتالي يمكن له المشي على السطح بسرعة دون السقوط للأسفل. ولكن إذا اتسخت تلك الألياف، سوف يفقد هذه الوظيفة.
وقد اكتشفنا مؤخرا أن البرص يفرز زيت ما مسؤوليته المحافظة على خاصية كراهية الماء للألياف الموجودة في قدمه.

المواد فائقة الكره للماء في الصناعة

 

بدأ الحديث عن خواص المواد المصنعة فائقة الكره للماء في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، وتسارع البحث منذ التسعينات. يمكن تصنيع المواد فائقة الكره للماء الآن بعدة طرق: بطلاء السطح بمادة فائقة الكره للماء، أو بتعديل البنية النانوية للسطح، أو بإضافة جسيمات نانوية على السطح أو بمزيج من هذا كله، بحيث وتكون الطلاءات فائقة الكره للماء ذات طاقة سطح منخفضة جدا.

في عام 2012، ابتكر فريق من مركز أبحاث أسترالي AFFRIC بجامعة دوكين بملبورن Deakin University in Melbourne طريقة أفضل لتغطية الأنسجة بطلاء منظف لذاته وطارد للمياه، وقد فعلوا ذلك بالغمس المتكرر للنسيج في محلول من جسيمات سيليكا صغيرة الحجم، فتكونت الطبقة الحامية باستخدام التجمع الذاتي طبقة وراء طبقة، وغطى الفريق الجسيمات بذيول كيميائية طويلة تنتهي بمجموعات الأزيدو azido (من أنيون الأزيد -N3). وقد وجدوا أن الطلاء لم يكن قوي التحمل، ومع ذلك تؤدي معالجة الطلاء تحت ضوء الأشعة فوق البنفسجية UV جسيمات الأزيدو النانوية للترابط، وينتج عنها بنية أكثر متانة.

وجود طلاء كاره للماء على سطح المادة ربما يؤدي الغرض منه في عدة تطبيقات، ولكن في بعض المواقف لا بد أن تكون المادة ككل كارهة للماء. ولذلك أنتج علماء في MIT عينات سيراميكية كارهة للماء بالكامل وبالتالي تستطيع تحمل ظروف قاسية- كتلك الموجودة في الأفران- مع إظهار خواص كارهة للماء، وتتكون هذه المواد من مساحيق أكاسيد الفلزات الأرضية النادرة، وتظهر خواص كارهة للماء حتى بعد تآكل أجزاء منها بالبري abrasion مثلا، وهذا مطلوب في مثل هذه التطبيقات.

لعل المواد فائقة الكره للماء قادرة على حل عدد متزايد من المشكلات، والفضل يرجع لكل من زهرة اللوتس وقدم البرص لإلهامهما العلماء والمهندسين كي يصلوا لبعض غايات علم المواد.

المصدر.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

المساهمون في المقال

كتابة: محمد شوبك

مراجعة: محمد عبد العليم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *