زواج غير متوقع بين الأكاسيد

يستغرق 7 دقيقة

يشير مصطلح “سبيكة” عادةً إلى خليط مكون من عدد من الفلزات، ولكن مع ذلك لا يقتصر الأمر على الفلزات فقط؛ فيمكن أن تدخل مواد أخرى في تركيب السبائك. فعلى سبيل المثال قد اُستخدِمت بنجاح ومنذ فترة طويلة سبائك الأكاسيد والنيتريد في صناعة أشباه الموصلات؛ لضبط الخصائص الوظيفية للمادة. تحدث مثل هذه التغييرات في الخصائص بشكل تدريجي عادة، ويظل من السهل التعرف على خصائص المواد الأساسية للسبيكة.

ولكن إذا تم خلط مركبات ذات هياكل بلورية غير متطابقة فإنه يتم تشكيل ما نطلق عليه “سبائك غير متجانسة الهيكل“. في مثل هذه السبائك تتوقف التغيرات الهيكلية على نسبة خلط المكونات. في بعض الأحيان ينتج عن هذا خواص مدهشة تختلف اختلافًا ملحوظًا عن تلك الموجودة في المواد الأساسية. هذة هي “السبائك الأكسيدية” التى تشكل محور اهتمام سيباستيان سيول، الباحث فى المختبرات الفيدرالية السويسرية لعلوم وتكنولوجيا المواد (EMPA)، فهو لا يريد التوقف فقط عند اكتشافها بل جعلها قابلة للاستخدام في الحياة اليومية. أثناء بحثه في هذه المواد، عليه مراقبة العديد من الخواص في آنٍ واحد مثل البنية الأساسية والخواص الإلكترونية‏ والاستقرار على المدى البعيد.

انضم سيول إلى EMPA العام الماضي وكان قد أجرى سابقا أبحاثًا في مختبر أبحاث الطاقة المتجددة القومي (NREL) في كولورادو، حيث نشر هناك بحثا بارزًا بعنوان: “السبائك ذات الضغط السلبي“. تمكن سيول بالتعاون مع زملائه من خلط سيلينيد وتلوريد‏ المنجنيز selenide and manganese telluride باستخدام تقنية البخار البارد (الترسيب بالرش المغناطيسي). وتعمل هذه التقنية بواسطة شعاع من البلازما يتم توجيهه على سطح المادة المراد ترسيبها. تقوم الأيونات في شعاع البلازما بتحرير الذرات من على السطح، ومن ثم ترسيبها على شريحة في صورة غشاء رقيق thin film. وُجِد أنه تحت نسب معينة، اندمجت المواد الأساسية لتشكيل شبكة بلورية غير مريحة لكلا المكونين: فلا يمكن لأيٍ من الزوجين فَرْضُ تركيبه البلوري المفضل على الآخر، والذي يتخذه  في حالته النقية.

كان الحل الوسط الناجم عن ذلك هو طور جديد لا يتشكل عادةً إلا عند “ضغط سلبي”، أي عندما تكون المادة مُعرَّضة للشد بشكل دائم. هذه المواد من الصعب جدًا إنتاجها في الظروف العادية، ولكن تمكن سيول وزملاؤه في NREL  من التغلب على هذه الصعوبة. تظهر هذه المواد الجديدة العديد من الخواص المفيدة مثل الخاصية الكهروضغطية Piezoelectricity التي يمكن استخدامها لتوليد الكهرباء، أو إنتاج أجهزة الكشف، أو إجراء تجارب أشباه الموصلات والتي لم تكن ممكنة مع المواد الأساسية المكونة للسبيكة.

السبائك غير متجانسة الهيكل
يمسك سيباستيان سيول بعينة من السبائك غير متجانسة الهيكل، والتي تمثل مادة واعدة لتغطية النوافذ الذكية. 

البحث عن أنظمة مستقرة

في EMPA، سيجلب سيول خبرته في صنع السبائك الأكسيدية مستحيلة الصنع إلى الساحة. يهدف سيول إلى اكتشاف مخاليط أكسيدية لهياكل وبُنيات مُتنوِعة، ومن ثَمَّ العمل على استقرارها إلى الحد الذي تصبح فيه صالحة للاستخدام اليومي. كما أن مختبر تكنولوجيا الوصل والتآكل، الذي يرأسه لارس جورجينز، لديه الكثير من الخبرة في التطبيقات العملية للسبائك والطبقات المستقرة المكونة من الأكاسيد. ويصب التركيز الأَوَّلي على مخاليط أكاسيد التيتانيوم والتنغستن، والتي يمكن أن تكون ذات أهمية في طلاء النوافذ، وتكنولوجيا أشباه الموصلات، وتكنولوجيا الاستشعار.

“إن مزيج المواد مثير للغاية”

يشرح سيول قائلًا: “إن مزيج المواد مثير للغاية”.تُعرَف أكاسيد التيتانيوم بأنها مستقرة جدًا، وتستخدم في الخلايا الشمسية ودهانات الجدران ومعجون الأسنان. أما أكاسيد التنغستن، من ناحية أخرى، غير مستقرة نسبيًا، وتستخدم في النوافذ الذكية وأجهزة استشعار الغاز وكمحولات حفزية في صناعة البتروكيماويات.

يقول سيول:

في الماضي، كان البحث كثيرا ما يُركَّز على تحسين خواص المواد. مع ذلك، فمن المهم جدًا أن نتمكن من استخدام المادة لعدة سنوات في مجال التطبيق المعني.

فعلى سبيل المثال قد يكون هذا مهمًا بالنسبة لطلاءات أشباه الموصلات في النوافذ الكهروكرومية (النوافذ الذكية، وهو زجاج يغير من خواص نقل الضوء عند تطبيق فرق جهد، أو تغيرات في الحرارة أو الضوء). يجب على هذه النوافذ مثلًا أن تصمد لعقود في البيئات القاسية التي تتعرض لأشعة الشمس وتقلبات في درجات الحرارة، ويسعى الباحثون في EMPA للوصول لهذا الاستقرار طويل الأمد.

ولإنتاج مراحل الأكسيد هذه، يستخدم سيول وزملاؤه تقنيات مختلفة قابلة للاستخدام على نطاق صناعي، مثل: عملية الأكسدة المحكمة لأغشية معدنية رقيقة في فرن أنبوبي أو محلول إلكتروليتي، بالإضافة إلى تقنية الترسيب بالرش التفاعلي، حيث تتأكسد المعادن مباشرة أثناء عملية الترسيب في جو من غاز مؤكسد، ومن ثم تصبح سبائك الأكسيد “مستحيلة الصنع”، والتي هي موضوع البحث الأساسي حتى الآن، ملموسة في التطبيقات الصناعية.

المصدر.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

المساهمون في المقال

كتابة: أميرة حسن

مراجعة: متطوعة

تدقيق: حسن محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *