علم المواد

يستغرق 8 دقيقة

ما هو علم المواد؟

علم المواد هو العلم الذي يهتم باكتشاف، وتصميم مواد جديدة، ومعالجة المواد المتاحة، مع التركيز عليها في حالتها الصلبة.

تعود الجذور الفكرية، واللغوية لعلم المواد إلي عصر التنوير؛ حين بدأ العلماء في استخدام التفكير العلمي التجريبي في الفيزياء، والكيمياء، والهندسة لفهم المشاهدات القديمة في أساليب استخراج وتشكيل المعادن، والتي كانت تقع ضمن دراسة الخيمياء.

لا يزال علم المواد يضم عناصر مشتركة من علوم الفيزياء، والكيمياء، والهندسة؛ ولذلك اُعتُبِر هذا العلم طويلًا في الجامعات والمعاهد العلمية مجالًا فرعيًا يندرج تحت هذه العلوم مثل:  الكيمياء الطبيعية على سبيل المثال (وهي علم مشترك بين الفيزياء والكيمياء).

ولكن في بداية الأربعينيات من القرن الماضي أصبح علم المواد يُعرف على نطاق واسع كمجال علمي مستقل؛ نظرًا للتطورات المعرفية والتكنولوجية المتنوعة في هذا المجال، مما خلق مدرسة مكرَّسة لدراسة علم المواد. كما أشرنا سابقًا، علم المواد هو علم توفيقي يضم عدة فروع مختلفة من المعرفة، فهو يضم عددًا كبيرًا من مجالات الدراسة: كعلم الفلزات، وعلم الخزف، وفيزياء وكيمياء الحالة الصلبة، وهو أول مثال على مجال أكاديمي ينتج من الاندماج بين مجالات مختلفة للدراسة، لا نتيجة التشعب من علمٍ آخر.

إن العديد من المشاكل التقنية التي تواجه البشرية في يومنا الحالي هي نتيجة القصور في المواد المتاحة لعدم تلبيتها لكل الخواص، والاستخدامات التي قد نكون بحاجة إليها في تطبيق معين؛ لذلك فإن التقدم في مجال علم المواد عادة ما يكون مصحوبًا بتأثير ملحوظ علي التكنولوجيا في الوقت الحاضر والمستقبل. يركز علم المواد على فهم تأثير معالجة المادة وطريقة تصنيعها (Synthesis&Processing)، على بنية المادة وتركيبها (Structure&Composition)؛ وبالتالي على خواصها وآدائها في ظروف معينة، وهو ما يسمى ببارادايم علم المواد (البارادايم: طريقة منظمة في فهم الأمور).

بارادايم علم المواد

يتكون البارادايم من أربعة عناصر: البُنْيَة والمعالجة والخواص والآداء، ويتم استخدامه لإحراز التقدم وتحسين المعرفة والفهم في كثير من فروع البحث العلمي في علم المواد مثل: تكنولوجيا النانو، المواد الحيوية.. إلخ.

يُعتبر علم المواد أيضا جزءا جوهريا من الهندسية الجنائية، والتي تهتم بتحليل الانهيارات، والحوادث، وفحص المنتجات والمواد للتأكد من آدائها لوظيفتها بشكل ملائم؛ لضمان عدم حدوث ضرر للأفراد أو الممتلكات، من خلال عدد من الإجراءات والاختبارات والتي تمثل المفتاح لفهم أسباب الحوادث، كحوادث الطائرات على سبيل المثال.

إن المادة المستخدمة في حقبة معينة هي ما يشكل وجه هذا العصر. وإن عباراتٍ مثل: العصر الحجري والبرونزي هي أمثلة صارخة على هذه الحقيقة.

وبالعودة إلى أصوله المتفرعة من صناعة الخزف، وتطورها إلى استخراج وتشكيل خامات المعادن؛ فإن علم المواد يعتبر من أقدم العلوم الهندسية، والتطبيقية التي عرفها الإنسان. بالرغم من عدم توافر الإجراءات والمعرفة العلمية المنظمة والمدونة إلا مؤخرا.

وفي القرن التاسع عشر خاصة؛ حيث ظهرت طفرة كبيرة في فهم سلوك المواد حين وضح العالم الأمريكي: جوزيه جيبس Josiah  Gibbs أنَّ الخواص الثرموديناميكية للمادة، والمتعلقة ببنيتها الذرية في حالة معينة، تؤثر بشكل كبير على خواصها الفيزيائية والميكانيكية.

ومن الطريف أن الكثير من العناصر الحديثة لعلم المواد كانت نتيجة السباق المحموم لغزو الفضاء في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كاستخدام وتطوير المعادن، والسبائك، والحراريات كالكربيدات والسيليكات في بناء السفن والصواريخ الفضائية؛ مما سهل غزو و استكشاف الفضاء.

ومن ذلك الحين وعلم المواد يستمر بالكشف عن تطورات ثورية في طبيعة المواد التي يستخدمها الإنسان مثل المطاط، والبلاستيك، والمواد المتقدمة.. إلخ.

وقبل عام 1960 (وفي بعض الحالات بعد ذلك التاريخ بعقود)، كان المسمى الشائع لقسم علم المواد في الجامعات هو قسم المعادن أو الفلزات، وهو ما يعكس التركيز حينها على استخدام المعادن والسبائك.

أما في ذلك الحين -وفي الولايات المتحدة تحديدًا- تم التشجيع على دراسة علوم المواد بواسطة وكالة مشاريع البحوث المتطورة -والتي أسست عددًا من المعامل الجامعية في مطلع الستينيات- لتوسيع البرنامج القومي للبحث والتدريب لتطوير التكنولوجيا العسكرية، وتقديم أساسيات علوم المواد.

ومن حينها، اتسع هذا المجال ليشمل كل تصنيفات المواد الأخرى مثل: المعادن، والسيراميك، والمواد المركبة، وأشباه الموصلات، والبوليمرات، والزجاج، والمواد المتقدمة. تدور أساسيات علم المواد حول دراسة بنية المادة، على النطاقين الميكرو والماكروسكوبي، وكذلك المتغيرات الأخرى مثل التركيب الكيميائي والمورفولوجيا (ماهية مكونات المادة وكيفية تناسقها مع بعضها) والطريقة التي تمت بها معالجة المادة لتصل لشكلها النهائي. هذه المتغيرات عند ربطها ببعضها البعض وتناولها من خلال قوانين الفيزياء و الثيرموديناميكا ونظرية الجزيئات، يصل العلماء إلى الارتباط بينها وبين الخواص العامة للمادة، وبالتالي إذا ما كانت صالحة لتطبيق معين، أو يمكن تعديل هذه الخواص لتناسب تطبيق معين.

إذن ما هو الفارق بين علم المواد وهندسة المواد؟

علم المواد: جوهره يسلط الضوء على العوامل الرئيسة التي قد تؤثر على بنية وخواص المادة، مع التركيز على المبادئ العلمية، مثل الثرموديناميك، بينما هندسة المواد: تركز على كيفية التحكم في بنية وتركيب المادة للحصول على مزيج من الخواص المطلوبة لتطبيق معين، أو على الأقل أفضل مزيج متاح من الخواص، إن كان تحسين بعضها على حساب الآخر. وفي الحالتين، ليس هناك فارق كبير فكلاهما يدرس العلاقة بين البنية والمعالجة والخواص، مع الأخذ في الاعتبار أن هدف علم المواد هو مجرد الدراسة والتنظير العلمي، بينما هندسة المواد تهدف إلى تطبيق هذه المعرفة في حيز الإمكان في تطبيقات تكنولوجية مفيدة.

 

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

المساهمون في المقال

كتابة: محمد شوبك

مراجعة: متطوعة

تدقيق: أحمد حبيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *