عملية هابر بوش: التفاعل الكيميائي الذي يُطعم العالم

يستغرق 8 دقيقة

تعد الأمونيا من أهم المواد الكيميائية في عالمنا اليوم؛ ذلك لأن أهم استخدام لها هو إنتاج الأسمدة النيتروجينية التي يعتمد ثلث سكان العالم عليها في زراعة المحاصيل المهمة للغذاء. لكن إنتاج الأمونيا ليس سهلاً كما يخال البعض. حتى القرن العشرين، لم تكن هناك عملية معينة لإنتاج الأمونيا بكميات كبيرة. جاء عام 1909 وابتكر العالم الألماني فريتز هابر Fritz Haber عملية يُمكن من خلالها إنتاج الأمونيا بكمية لا بأس بها، وحاز من أجل ذلك على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 1918. ثم أتى من بعده كيميائي ألماني آخر يدعى كارل بوش Carl Bosch وطور هذه الطريقة للاستخدام الصناعي، فحاز هو أيضًا على نوبل عام 1931.

عملية هابر بوش وباختصار “عملية هابر Haber-Bosch Process”: هي اتحاد كل من غازي النيتروجين والهيدروجين في تفاعل تثبيت النيتروجين Nitrogen fixation على سطح عامل حفّاز صلب؛ لكونه يشكل المادة التي تسرع من التفاعل.
إن تثبيت النيتروجين هو العملية التي يتحول فيها النيتروجين الجوي بصورته الجزيئية -وهو خامل نسبيًا N2 (أي لا يتفاعل مع مواد كيميائية أخرى مولدًا مركبات جديدة)-، إلى مركبات النيتروجين المختلفة (مثل الأمونيا).

عملية هابر بوش
شكل 1:رسم تخطيطي مختصر لعملية هابر – بوش لإنتاج الأمونيا

 

شرح عملية هابر بوش

تقوم عملية إنتاج الأمونيا الحديثة والنمطية المعتادة في بدء الأمر بتحويل الغاز الطبيعي (الميثان) إلى هيدروجين غازي. تبدأ العملية المستخدمة في إنتاج الهيدروجين بإزالة مركبات الكبريت من الغاز الطبيعي؛ لأن الكبريت يوقف عمل المحفزات المستخدمة في الخطوات اللاحقة.

تقوم عملية الهدرجة التحفيزية بتحويل مركبات الكبريت العضوية إلى كبريتيد الهيدروجين الغازي:

(H2+ RSH → RH + H2S (g

ثم يُزال كبريتيد الهيدروجين عن طريق تمرير الغاز على طبقات من أكسيد الزنك، حيث يتم امتصاصه وتحويله إلى كبريتيد الزنك الصلب:

H2S + ZnO → ZnS + H2O

يتم بعد ذلك استخدام التحسين الحفزيّ لبخار الماء الناتج عن المادة الأولية الخالية من الكبريت لتكوين الهيدروجين بالإضافة إلى أول أكسيد الكربون:

CH4+ H2O → CO + 3H2

في الخطوة التالية، يتم استخدام تفاعل انزياح الماء والغاز The Water-Gas Shift Reaction لتحويل أول أكسيد الكربون إلى ثاني أكسيد الكربون مع المزيد من الهيدروجين:

CO + H2O → CO2+ H2

ثم يتم إزالة ثاني أكسيد الكربون إما بالامتصاص في محاليل الايثانول الأمينية المائية، أو بتقنية الامتزاز بالضغط المتأرجح Pressure swing absorption، عن طريق اجتذاب جزيئات الغاز إلى الأسطح الصّلبة. تُستخدم هذه التقنية في فصل بعض أنواع الغازات عن خليط مضغوط منها حسب مميّزات جزيئات النوع المطلوب وألفتها للمادة الماصّة. وتعمل التقنية عند درجات حرارة تقارب الطبيعية، فتختلف بذلك عن تقنيات فصل الغازات بالتقطير ذي التبريد العميق.

الخطوة الأخيرة في إنتاج الهيدروجين هي التحويل إلى الميثان الحفزي لإزالة أي كميات متبقية صغيرة من أول أكسيد الكربون أو ثاني أكسيد الكربون من الغاز:

CO + 3H2→ CH+ H2O
CO2+ 4H2→ CH4+ 2H2O

لإنتاج الأمونيا (المنتج النهائي المطلوب)، يتم تفاعل الهيدروجين مع النيتروجين (المشتق من هواء المعالجة) لتشكيل الأمونيا السائلة اللامائية. تُعرف هذه الخطوة باسم حلقة تصنيع الأمونيا (يشار إليها أيضًا بعملية هابر-بوش):

 3H2+ N2 ↔ 2NH3

هذا التفاعل قابل للانعكاس، وهو طارد للحرارة في اتجاه تكوين الأمونيا. من الجدير بالذكر أن الحديد يستخدم كعامل حفّاز في هذا التفاعل، والعامل الحفّاز هو مادة تساهم في زيادة سرعة التفاعل دون أن يحدث بها تغير كيميائي.

عامل حفاز
شكل 2: عند وجود العامل الحفاز (مميز بالأحمر)، تنخفض طاقة التنشيط اللازمة لبدء التفاعل بشكل ملحوظ.

ألماني آخر يحصل على نوبل

في عام 2007، حصل -الألماني أيضًا!- جيرهارد إرتل Gerhard Ertl على جائزة نوبل في الكيمياء عن دراساته حول “العمليات الكيميائية على الأسطح الصلبة”. ربما كان العمل الفردي الذي يضطلع به إرتل يتضمن إثبات طبيعةَ سير الأمور في عملية هابر بوش عن طريق استخدام مختلف تقنيات التحليل الطيفي الكيميائي- التي تعتمد على تفاعل الإشعاع الكهرومغناطيسي (مثل الضوء) مع المواد لتحديد خصائص جزيئات السطح- كشف إرتل بالكامل كيف ومتى يتم كسر رابطة النيتروجين القوية خلال هذه العملية، وهو لغز كان يحير العلماء لسنين طويلة.

الجانب المظلم من العملية

رغم عبقرية عملية هابر بوش وأهميتها في حياتنا، فأنها ليست خالية من العيوب. وُجِد أن الاستخدام المفرط للأسمدة يفسد التوازن الطبيعي للكائنات الحية في التربة، كما يتسرب السماد من التربة إلى المسطحات المائية، ملوثًا إياها ومسببًا زيادة في نمو الطحالب. بالإضافة إلى ذلك، تطلق هذه العملية أكاسيد النيتروجين التي تساهم في الاحتباس الحراري. لكل هذه الأسباب والمزيد منها، يحاول الباحثون حول العالم الآن التوصل إلى “عملية هابر بوش جديدة” تتغلب على عيوب العملية التقليدية.

لعل عمل هابر قد ساهم بالفعل في توفير الغذاء لمليارات الأفراد إلى الآن، لكنه كثيرًا ما يتعرض للانتقادات. يُشاع إن هابر كان في الأصل مهتمًا بتصنيع الأمونيا لإنتاج حمض النيتريك (مكون هام لصناعة المتفجرات)، كما أشرف في 1915 على أول هجوم كيميائي واسع النطاق في التاريخ الحربي باستخدام غاز الكلور، ويلقبه الكثيرون ب”أبو الحرب الكيميائية”. وعلى أي حال، ومهما كان حكمنا الأخلاقي على عمل هابر، فلا يسعنا إلا أن نكون ممتنين لعبقرية عمليته لإنتاج الأمونيا.


مصادر

1

2

 

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

المساهمون في المقال

كتابة: أميرة حسن

مراجعة: متطوعة

تدقيق: أسماء علي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *