عناصر لازمة للحياة

يستغرق 10 دقيقة

كثيرًا ما نسمع من خبراء التغذية عن حاجة جسم الإنسان لبعض العناصر في النظام الغذائي اليومي، ولو بكميات ضئيلةٍ جدًا؛ لتقوم الأعضاء بوظائفها على أكمل وجه، ولعلك قد تناولت بعض المكملات الغذائية الغنية بالحديد في مرحلة ما من حياتك.

من بين كل المائة والثمانية عشر عنصرًا المعروفة لدينا حتى الآن، فقط التسعة عشر الأرجوانية اللون (انظر شكل 1) منها هي المطلوبة بشكلٍ أساسيٍ في النظام الغذائي للإنسان.

ما نعنيه بقولنا عناصر لازمة للحياة هو هذه العناصر – والتي تعرف بالعناصر الأساسية– التي تنحصر فقط في الدورات الأربعة الأولى من الجدول الدوري مع وجود استثنائين أو ثلاثة (المولبيدنيوم Mo، اليود I، وربما القصدير  Sn أيضًا :في الدورة الخامسة). كما يوجد أيضًا بعض العناصر والتي تكون ضرورية لنوعٍ معين من الكائنات الحية، على سبيل المثال:

البورون B عنصرٌ ضروريٌ لنمو بعض النباتات، وكذلك يكثر وجود البرومين Br في الكائنات البحرية، كما أن التنجستين W ضروريٌ لبعض الكائنات الدقيقة.

 

العناصر الضرورية لحياة الانسان بالجدول الدوري

عناصر أساسية للحياة بالجدول الدوري
شكل (1) تظهر العناصر المعروفة بأنها ضرورية لحياة الإنسان باللون الإرجواني، والعناصر التي يحتمل أن تكون أساسية باللون الأخضر، والعناصر غير الضرورية لحياة الإنسان باللون الرمادي.

 

ولكن ما الذي يجعل العنصر ضروريًا؟

من خلال التعريف فإن العنصر الضروري هو ذلك العنصر المطلوب لاستمرار الحياة، والذي يؤدي غيابه إلى هلاك الكائن الحي، ولكن التحقق من هذا التعريف عمليًا ليس أمرًا سهلًا؛ نتيجةً للصعوبات العملية التي تقف عائقًا أمام محاولة تحقيق نقص في عنصر ما بحيث يكون هذا النقص كافٍ لهلاك الكائن الحي- خصوصًا عندما نتحدث عن العناصر المطلوبة بتركيزات منخفضة جدًا في النظام الغذائي.

وبناءً على ذلك؛ فإن تعريفًا أشمل يجب أن يُستخدم؛ فيمكننا القول ببساطة أن العنصر الأساسي هو عنصر يتسبب نقصه في تطورات حيوية أو أداء وظيفي غير طبيعي، تختفي هذه الأثار الجانبية فقط في حالة وجود إمداد كافٍ من هذا العنصر.

كيف يقوم العلماء بتحديد هذا عمليًا؟

يقوم العلماء بتحديد هذه العناصر عمليًا من خلال تربية الحيوانات وتغذيتها ضمن نظام غذائي صناعي تم تحليله وتصميمه ليقوم بإمداد هذه الحيوانات بكل الكميات المناسبة من جميع العناصر الضرورية عدا العنصر محل الدراسة، وفي بيئة فائقة النظافة يتم فيها استخدام الأقفاص البلاستيكية وتنقية الهواء بعناية من الغبار وغيره من الشوائب، وتقليل التلوث غير المقصود قدر المستطاع.

في حالة نمو الحيوانات بشكل طبيعي من خلال هذا النظام؛ فإما أن يكون هذا العنصر غير أساسي، وإما أن تركيزه في النظام الغذائي لهذا الاختبار لم يكن منخفضا كفاية ليصبح أقل من الحد المطلوب.

بينما إذا لم يحدث النمو بالشكل الطبيعي؛ فإن تركيز العنصر محل الاختبار يتم زيادته تدريجيًا حتى يصل للحد الذي يحصل معه النمو الطبيعي، ويكون هذا هو الحد الأدنى المطلوب من هذا العنصر الأساسي.

تصنيف العناصر الأساسية

ومن الملحوظ أن أغلب الكائنات الحية تتكون بشكل أساسي مما يعرف بالعناصر السائدة Bulk elements، وهي: الأكسجين O، والكربون C، والهيدروجين H، والنيتروجين N – التي تشكل مجتمعة 96% من نسبة العناصر في جسم الإنسان- والكبريت S.

العناصر السائدة هي اللبنات الرئيسية التي تشكل المركبات الداخلة في تكوين الأنسجة والعضلات، وهذه العناصر أيضا تشكل الغالبية العظمى من غذائنا اليومي.

وهناك ستة عناصر أخرى وهي: الصوديوم Na، والمغنسيوم Mg، والبوتاسيوم K، والكالسيوم Ca، والكلور Cl، والفوسفور P يشار إليها غالبًا بالمعادن الكبرى Macrominerals؛ لأنها تمد سوائل الجسم كالدم بالأيونات الضرورية كما أنها تكون الأجزاء البنائية الكبرى للجسم، بالإضافة إلى أن الفوسفور هو مكون رئيسي في الحمض النووي RNA & DNA، والحمض النووي هو ما يشكل البناء الجيني لكل الكائنات الحية.

العناصر الشحيحة Trace elements

تتواجد المعادن الكبرى في الجسم بكميات أقل من العناصر السائدة؛ لذلك فإن القدر اللازم منها في النظام الغذائي سوف يكون أقل بالتأكيد. أما العناصر الأساسية الباقية فتُعرف بالعناصر الشحيحة Trace elements، وهي تتواجد في جسم الإنسان بكميات ضئيلة جدًا تتراوح ما بين جرامات قليلة إلى كمية لا تتجاوز بضعة ميللي جرامات في جسم الإنسان البالغ، وأخيراً تم رصد بعض الكميات من عناصر أخرى في الإنسان وهي ليست ضرورية سواءً للنمو أو الصحة الجيدة، كمثالين لدينا عنصري السترونشيوم Sr والروبيديوم Rb، واللذان يتم امتصاصهما لأن خواصهما الكيميائية شبيهة إلى حد كبير بالعنصرين فوقهما تمامًا بالجدول الدوري، وهما البوتاسيوم والكالسيوم، والمعروفان أنهما عناصر ضرورية؛ لأن الآلية التي يمتص بها الجسم عناصر الكالسيوم والبوتاسيوم من الطعام ليست انتقائية بنسبة 100%؛ فيتم امتصاص كميات ضئيلة من الروبيديوم والسترونشيوم بالرغم من عدم وجود أثر بيولوجي واضح أو ضروري لأي منهما.

في الجدول التالي يظهر التركيب التقريبي للعناصر في جسم إنسانٍ بالغٍ يزن سبعين كيلو جرامًا .

 العناصر في جسم الانسان

 

بسبب صعوبة التحقق من المستويات المنخفضة لبعض العناصر الأساسية؛ فإن اكتشاف العناصر الشحيحة كعناصر أساسية لم يأت إلا في وقت متأخر. أولها كان الحديد Fe وتم اكتشاف أهميته في القرن السابع عشر وإثبات حدوث الأنيميا بسبب نقصه في الغذاء، وكان العلاج يتم غالبًا باستخدام خلاصة المسامير الصدأة.

وفي القرن التاسع عشر تم اكتشاف أن كميات صغيرة من اليود I تساعد على معالجة مرض تضخم الغدة الدرقية؛ وهذا هو السبب في إضافة بعض اليود لملح الطعام وتسميته بالملح المعالَج باليود، أو اليودي، أما بالنسبة للنحاس Cu فقد تم إثبات أهميته في عام 1928، ويوجد ثلث محتوى الجسم من النحاس في العضلات.

جاء بعد ذلك كلًا من المنجنيز Mn والزنك Zn-الذي يدخل في تركيب بعض إنزيمات الهضم- وكذلك الكوبلت Co. ومن المحتمل أنه في المستقبل سوف يتم اكتشاف عناصر أخرى أساسية كالقصدير Sn مثلًا، والتي قد نجد أنها ضرورية ولكن بتركيزات قليلة جدًا.

إذا تأملت الجزء الخاص بالعناصر الشحيحة في الجدول السابق فقد تتسائل:
كيف يمكن لهذه التركيزات الضئيلة أن تملك هذا التأثير الهائل على حياة الكائن الحي؟

إن معرفتنا بطرق تأثير كل عنصر على الصحة بالتفصيل ليست كاملة إطلاقًا، ولكننا نرى ملامح الصورة العامة. تعمل العناصر الشحيحة من خلال المشاركة في آليات التضخيم amplification: أي أنها تُمثل مكونات أساسية لجزيئات بيولوجية لها تأثير على عدد أكبر من الجزيئات الأخرى. على سبيل المثال:

يحتوي الفيتامين ب-12 على ذرة واحدة فقط من الكوبلت، لكنها لا غنى عنها ليقوم بوظيفته؛ وبالتالي فإن الخلل في كمية عنصر الكوبلت سيؤثر على عمل هذا الجزيء، والذي هو بدوره مهم لعمل المزيد من الجزيئات.

ومن الجدير بالذكر أنه من الأهداف الرئيسية للبحث العلمي في الكيمياء الآن هو تسليط الضوء بشكلٍ أكبر على دور وآلية عمل العناصر الأساسية. علينا التنبيه أنه على الرغم من أهمية تناول العناصر الأساسية في النظام الغذائي اليومي، فقد تحمل تأثيرًا سامًا عند زيادة تركيزاتها. على سبيل المثال: زيادة نسبة النحاس تسبب أضرارًا للكبد وفرط النشاط في الأطفال، كما تم إثبات أن زيادة تركيز الحديد تضر بالقلب والكبد.

المصدر

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

المساهمون في المقال

كتابة: محمد شوبك

مراجعة: متطوعة

تدقيق: أحمد حبيب

تصميم: أسماء محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *