مادة جديرة بثقتنا

يستغرق 7 دقيقة

أود منك قبل أن تستكمل قراءة هذا المقال أن تتأمل قليلا مادة نعتبرها أمر مسلم به في حياتنا اليومية. فكّر في كل المرات التي تستخدم فيها تطبيقا ورقيا منذ أن تفتح عينيك في الصباح إلى أن تعود إلى فراشك ليلا. أنا على يقين أن النتيجة ستبهرك! ولا تنسى التطبيق الأهم: الانتقال من عصر الثقافة الشفهية وتداول المعرفة بالحرفة والقصص والروايات والأغاني إلى عصر كتابة الأدب والعلم. لا أنكر استخدام مواد الكتابة الأخرى، ولكنها كانت ضخمة وعرضة للكسر، مثل: الطمي والحجارة، أو سهلة التحلل والتلف، مثل: الخشب، أو ثابتة وتشغل مساحة كبيرة، مثل: الحوائط. أما الورق، فيا لها من مادة جديرة بثقتنا!

مم يتكون الورق؟[1]

على الرغم من أنها تبدو مادة متصلة مسطحة، وناعمة، فإن الورق ليس كذلك في الحقيقة! في الواقع، إنه عبارة عن أكوام من الألياف الرفيعة الضئيلة التي تشبه تلال القش في تراكمها، ولا يمكننا أن نشعر بهذه البنية المعقدة لأنها لا تظهر إلا على مستوى الميكروسكوب، والذي يُعتبر أبعد من قدرة حاسة اللمس لدينا. يشبه الأمر رؤية كوكب الأرض مستديرا بطريقة مثالية من الفضاء، بينما عند التقريب تظهر لنا العديد والعديد من التلال والجبال والوديان.

الورق
الورق تحت الميكروسكوب. المصدر.

تبدأ معظم أنواع الورق حياتها شجرًا، وتتكون الشجرة أساسا من ألياف من مادة السليلوز cellulose المرتبطة معا بصمغ طبيعي يُدعى اللجنين lignin، مما يخلق بنية مركبة صلدة ومرنة جدا. ببساطة شديدة، لكي تصنع الورق يجب عليك أن تستخرج ألياف السليلوز من خشب الشجر وتضعه في قالب وتضغطه وتجففه.

خطوات التصنيع من الخشب[2]،[3]

الخطوة الأولى تكمن في عملية إنتاج لُب الخشب wood pulp، ويُعد ذاك اللب المنتَج الأساسي للخشب ويدخل في صناعات أخرى بجانب صناعة الورق (مثل: صناعة السيلوفان، وحرير الرايون)، والغرض من العملية هو تحرير الألياف. يتم ذلك إما كيميائيا، أو ميكانيكيا، أو بمزيج منهما على حسب المواصفات المطلوبة في المنتج النهائي.

أولا: الطريقة الميكانيكية

في هذه الطريقة يتم إزالة اللحاء من الخشب، ثم يدخل إلى كسّارات أو طواحين في وجود الماء، وبعد ذلك يمر الناتج على أكثر من غربال screen لإزالة الأجسام الغريبة وبواقي اللحاء. وبناءا على ما سبق ينتج اللب محتويا على كل مكونات الخشب الكيميائية تقريبا، مما يعني أن الورق المصنوع منه سيحمل نفس لون الخشب، كما أن الألياف لم تتحرر بشكل كافي وبالتالي لن ترتبط ببعضها البعض، ولذلك لا يكون للورق الناتج صلابة كبيرة مقارنة بباقي الأنواع.

ثانيا: الطريقة الكيميائية

الفكرة ها هنا- عموما- هي طبخ الخشب مع محاليل كيميائية (مثل حمض الكبريتوز sulfurous acid) تحت تأثير ضغط عالي. وتؤدي هذه الطريقة إلى استخراج ألياف السليلوز نقية أو مرتبطة بالقليل من اللجنين على حسب المحاليل والوسائل المستخدمة.

صناعة الورق
صناعة الورق

بتجفيف اللب الناتج من أيما طريقة، وصبه؛ نحصل على الورق. ولأن اللون الأساسي للورق هو البني، فغالبا ما يمر على مرحلة أخرى، وهي مرحلة التبييض bleaching، وذلك بإضافة بودرة طباشيرية بيضاء من كربونات الكالسيوم على سبيل المثال. وربما يُطلى الورق بمواد أخرى (مثل كبريتات الألومنيوم) في عملية تُدعى التبويش sizing، وذلك لتحسين مقاومة الورق للماء، ولمنع انتشار الحبر عند الكتابة وذلك بتقييد امتصاص السليلوز له؛ فيجف في مكانه على السطح.

يمكنك مشاهدة هذا الفيلم القصير الممتع لمعرفة خطوات صناعة الورق في واحدة من كبرى الشركات العالمية:

ما السبب إذن في اصفرار الورق بمرور الزمن؟

السب هو عملية أكسدة اللجنين (تفاعل الأوكسجين مع المادة) مما يُغيّر من التركيب الجزيئي له، حيث تتحول المجموعات الذرية باللجنين إلى كروموفونات chromophores (حاملات ألوان)، ويزداد اللون اصفرارا بزيادة تركيز هذه المجموعات. الجدير بالذكر أن الضوء يزيد من سرعة هذا التفاعل، ولذلك إذا وضعت ورقا رديء الجودة (مثل ورق الجرائد، والورق الناتج عن الطرق الميكانيكة عموما، أو عن الإزالة الجزئية للجنين) في جو غامر بالأوكسجين وتحت ضوء الشمس؛ ستندهش من سرعة تحوله إلى اللون الأصفر.

تتحول بعض أنواع الورق الأخرى إلى الأصفر بسبب وجود طلاء من مركبات كيميائية مثل كبريتات الألومنيوم، والتي تخلق ظروفا حامضية، مما يؤدي لتفاعل ألياف السليلوز مع أيونات الهيدروجين مسببا نوعا آخر من تحولات اللون، كما يؤدي هذا التفاعل إلى إضعاف صلابة الورق بالتدريج.

أود إضافة أن عملية تشيُّخ الورق هذه التي تؤدي لاصفراره، تؤدي أيضا لتكوين عدة جزيئات عضوية أغلبها متطاير، مما يسبب الرائحة المميزة للورق القديم، الرائحة التي يقدّسها كل عاشق للقراءة، وكل عاشق لهذه المادة الجديرة بثقة الكاتب والقارئ معا.


المصادر:

[1] Stuff matters: exploring the marvelous materials that shape our
man-made world, Mark Miodownik, chapter 2.

[2] WOOD CHEMISTRY: Fundamentals and Applications, SECOND EDITION, EERO SJÖSTRÖM, chapter 7.

[3] Britannica.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

المساهمون في المقال

كتابة: محمد عبد العليم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *