هل ينكمش المطاط بالحرارة؟

يستغرق 19 دقيقة

 

إذا اختلفت التجربة مع حساباتنا المنطقية وتفسيراتنا العقلية، أو دعوني أقول مع النظرية العلمية؛ فإن هذا يقتضي خطأ النظرية، أو حاجتها للتعديل، مهما كان ذكاء صاحبها أو اسمه، ولا يهم أيضًا مدى جمال النظرية أو حتى عدد السنين التي صمدت خلالها. وإن هذه العبارة البسيطة لهي مفتاح العلم، وما ذكرته للتو ما هو إلا مبدأ أساسي يقوم عليه المنهج العلمي Scientific Method.

دعونا الآن إذن نقوم بتجربة بسيطة!

سنعلِّق ثقلًا تعليقًا حرًا بحبل مطاطيّ، يمكنك تركيز الحبل على حامل أو ما شابه بحيث يشد الثقلُ الحبلَ إلى أسفل تحت تأثير وزنه (شكل 1). ونضع ميزانًا حساسًا تماما أسفل الثقل بحيث يعطينا الميزان قراءته ويظل الحبل مشدودًا عن طوله الأصلي بمقدار استطالة معين. احرص على ألا يكون الثقل كبير الكتلة لدرجة تقطع الحبل أو تُحدث به تشوه أو تغير دائم في أبعاده، أي أنه عند إزالة الثقل يرجع الحبل لوضعه الطبيعي. بعبارة أخرى، سنجري التجربة في المدى المرن للحبل.

هل ينكمش المطاط بالحرارة
شكل 1: يشد الثقل الحبل المطاطي لأسفل، ويعطينا الميزان قراءة تساوي 100 جرام.

السؤال هو: ماذا يحدث لو قمنا بتسخين الحبل؟ هل يرتفع الثقل لأعلى أم يتدلى لأسفل؟

بتقريب مصدر الحرارة للحبل- وليكن مجفف شعر أو أباجورة، ويمكنك تبطين الجزء المعدني في الأباجورة الذي يحيط بالمصباح بورق ألومنيوم حتى تتضمن انعكاس أكبر قدر ممكن من الحرارة على الحبل المطاطي. نرى أن قراءة الميزان تقل (شكل 2)، مما يعني أن الوزن الظاهري للثقل يقل، وهو بدوره ما يشير إلى أن الحبل يشد الثقل لأعلى، أي أن الحبل المطاطي ينكمش بالحرارة! 

هل ينكمش المطاط بالحرارة؟
شكل 2: عند تسليط الأباجورة على الحبل المطاطي؛ تقل قراءة الميزان إلى 90 جرام، مما يعني انكماش الحبل المطاطي. ‏

تجربة مشابهة:

مشاهدة غريبة، أليس كذلك؟ ربما هو أمر بديهي لدى معظمنا: تتمدد المواد بالحرارة وتنكمش بالبرودة. ما الذي تغير إذن؟ دعونا نقوم بمحاولة تفسير الأمر ممتثلين بأحد أكثر الأفكار الممتعة التي يعلمنا إياها علم التكامل، ألا وهي فكرة التكامل نفسها، وهي تجزئة المشكلة أو المسألة إلى أجزاء صغيرة يسهل حلها فرادى، ثم تجميع هذه الأجزاء لتكتمل لنا صورة الحل.

  • كيف يؤثر الثقل على الحبل فيجعله يتمدد؟
  • ما هي العوامل التي يخضع لها مقدار هذه الاستطالة؟
  • هل الحرارة موجودة ضمن تلك العوامل؟
  • كيف تؤثر إذن؟

كيف يشدُّ الثقلُ الحبلَ

1. تأثير طاقة الارتباط:

بما أنّ الحبلَ يعود إلى حالته الطبيعية بعد إزالة الثقل؛ فإنه في المدى المرن كما ذكرنا، وبالتالي خطوتنا التالية هي أن نولي اهتمامنا إلى ظاهرة المرونة وأساسها على المستوى الذري.

يمكننا تعريف المرونة Elasticity على أنها مقاومة المادة للتشكُّل تحت تأثير قوة معينة، وقدرتها على استعادة شكلها وأبعادها الأصلية بعد إزالة القوة المؤثرة عليها، وتتصرف معظم المواد بهذه الطريقة في مدى معين ثم تبدأ بالتشكل اللدن أو الدائم. [1]

وبالنسبة لمعظم المواد، عند التأثير بقوة شد ثابتة؛ فإن مقدار الاستطالة (في المدى المرن) يعتمد ببساطة على قوة الروابط الكيميائية بين الذرات، ويمكننا تصنيف المواد تبعًا لنوع قوى التجاذب بين ذراتها إلى ثلاث مجموعات رئيسية:

المواد الأيونية، المواد الفلزية، المواد التساهمية.

وبوجه عام، نستطيع تصور هذه الروابط كنتيجة للتجاذب الإلكتروستاتيكي بين مناطق موجبة الشحنة وأخرى سالبة.

على سبيل المثال، سندقق النظر في حالة الرابطة الأيونية حيث يمكننا استخدام قانون كولوم للتجاذب الإلكتروستاتيكي من أجل تكوين تصور عام عن العوامل التي تتوقف عليها قوة الرابطة. وينص القانون على أن قوة الجذب بين الذرتين تتناسب طرديًا مع حاصل ضرب شحنتيهما وعكسيًا مع مربع المسافة بينهما، وبإجراء التكامل على العلاقة الرياضية للقوة؛ نحصل على الطاقة المرتبطة بالتجاذب بين الذرتين، ونجد أن طاقة الارتباط هذه تتناسب عكسيًا مع المسافة الفاصلة بين الذرتين (شكل 3).[2]

طاقة الارتباط الذرية
شكل 3: منحنى يوضح العلاقة ما بين المسافة الفاصلة بين الذرات وكل من طاقة التنافر والتجاذب وطاقة الارتباط الكلية التي تساوي محصلتهما، وتصل طاقة الوضع لأقل قيمة عند r0 حيث تتزن قوى التجاذب والتنافر.

دون أن أشغلك بالعلاقات الرياضية دعنا نتصور الأمر ببساطة شديدة:

نفرض أن الذرتين بينهما مسافة تساوي اللانهاية، في هذه الحالة ستكون طاقة الارتباط (طاقة الوضع الكامنة في الرابطة المتكونة بين الذرتين) مساوية للصفر؛ لأنه لا توجد رابطة أصلًا. وكلما اقتربت الذرتان من بعضهما البعض تزداد قوة الجذب وكذلك طاقة الوضع للنظام ككل (أقصد الذرتين بالنظام) ولكن هذه الزيادة في الطاقة تكون بالسالب كما نرى في الشكل، لماذا؟ لأن هذه الطاقة مفقودة من النظام، حيث تفقد الذرات جزء من طاقتها لتكوين رابطة، الآن يمكننا القول أن الطاقة المفقودة تساوي صفر عندما تكون المسافة بين الذرتين لانهائية، وهذا منطقي، ثم تستمر في الزيادة حتى تبلغ أقصى قيمة لها عندما تنطبق الذرتان على بعضهما، أي تصبح المسافة بينهما مساوية للصفر، ولكن بالطبع لن تحدث هذه الحالة؛ لأن كل ذرة تشغل حيزًا من الفراغ فلا يمكن أن تشغل الذرتان  المساحة نفسها.

سنقول إذن بأن النظام يفقد أكبر قدر من الطاقة عندما تكون المسافة بين الذرتين أقل ما يمكن، ولكن عند هذه المسافات القريبة تظهر قوى تنافر كبيرة جدا بين الإلكترونات الموجودة في كلٍ من الذرتين تعمل على زيادة المسافة بينهما. إذن تستقر الذرتان على مسافة بينهما تسمح بالاتزان بين قوى التجاذب والتنافر وتضمن لها أكبر قدر من الطاقة المفقودة، أو تضمن للنظام أقل طاقة وضع.[3]

لماذا يسعى النظام إلى الوضع الذي يضمن له أقل طاقة ممكنة؟ تأمل معي (شكل 4) الكرة السوداء على قمة التل، تمتلك طاقة وضع كبيرة نسبيًا ونقول أنها غير مستقرة؛ حيث تؤدي دفعة متناهية الصغر باتجاه اليسار إلى انحدارها حتى تستقر في الوادي (طاقة وضع أقل). إذن تميل الكرة السوداء إلى الوصول لوضع الكرة الزرقاء. الآن تخيل أن أحدًا يحاول دفع الكرة الزرقاء لأعلى التل؛ ستتجه لأعلى قليلًا ثم تنحدر مرة أخرى راجعة إلى وضعها الأكثر استقرارًا، ولا يمكن أن تصل إلى الوضع غير المستقر أعلى التل إلا بقوة دفع كبيرة جدا، وهو في الغالب أمر غير محتمل الحدوث. وتمدنا الديناميكا الحرارية بقاعدة عامة في هذا الصدد: الحالة التي يمتلك فيها النظام أقل قدر من الطاقة المتاحة هي الأكثر استقرارًا.[4]

طاقة الوضع
شكل 4: الكرة السوداء في حالة غير مستقرة وتسعى لحالة الكرة الزرقاء المستقرة والتي هي أيضًا أقل في طاقة الوضع، ولكن على الرغم من أن هذا الوضع أكثر استقرارا إلا أن الكرة تحتاج دفعة صغيرة جدا نسميها طاقة التنشيط Activation Energy.

وهذا تماما ما يحدث عند تأثيرك بقوة شد- أو ضغط- تحاول بها إبعاد الذرات عن موضع اتزانها. بمجرد أن ترفع القوة المؤثرة، فسوف تعود الذرات بسرعة إلى موضعها المفضل الذي يضمن أقل طاقة وضع ممكنة، وتستمر هذه الظاهرة طالما تؤثر بقوة ضئيلة (في المدى المرن) وإلا فستنكسر الروابط بين الذرات مما يؤدي لحدوث تغير دائم في أبعاد المادة أو تحطمها في نهاية الأمر.

لعلنا الآن وضعنا تصور عام عن سبب ظاهرة المرونة على المستوى الذري، وهو ما يفسر أيضًا لماذا تتمدد المواد بالحرارة، حيث يؤدي التسخين لزيادة الطاقة الحركية للذرات مما يؤدي لاهتزازها بمواضع بينها مسافة أكبر تتزن عندها (r0). وتخضع مرونة معظم المواد لهذا التفسير إلا عند درجات الحرارة العالية جدا حيث يظهر تأثير الإنتروبيا Entropy.


2. تأثير الإنتروبيا:

كما قلنا، تقلل المواد من طاقتها الداخلية عن طريق الاتزان بين قوى التجاذب والتنافر، وهو ما يعطينا تصورًا عامًا عن المرونة. ولكن عند درجات الحرارة العالية التي تقترب من 2\3 من درجة الانصهار؛ تتحرك الجزيئات بسرعة كبيرة كافية لتجبرنا على أخذ تأثير الإنتروبيا في الحسبان، وهذه هي الحالة مع البوليمرات والمطاط حتى في درجة حرارة الغرفة؛ وذلك بسبب ضعف الروابط بين الجزيئات في هذه المواد.

يمكننا تصور جزيئات البوليمر في هذه الحالة ككتلة كبيرة من الخيوط المتداخلة المهتزة الطويلة جدا والتي تغير موضعها بانتظام بالالتفاف حول الروابط بين ذرات الكربون وتكوّن عقد فيما بينها. ولا تقتضي هذه الحركة الاهتزازية وتغيير المواضع أي اختلاف في حالة الروابط أو في طاقة الارتباط الذري الداخلية للمادة، ما يحدث هو تجاذب بين سلاسل الجزيئات وتكوين روابط ضعيفة فيما بينها Cross links.

ويتدرج شكل جزيئات البوليمر من السلسلة الممتدة تماما إلى كرة الخيوط المتداخلة (شكل 5). وبلغة إحصائية، فإن حدوث الشكل الملفوف أكبر احتمالا بكثير جدا جدا من الشكل الممتد، وذلك ببساطة شديدة لأنه هنالك عدد ضخم جدا من الطرق التي يمكننا بها لف سلسلة الذرات على بعضها وطريقة واحدة فقط لنمدها على استقامتها. وبلغة الديناميكا الحرارية، فإن ما قلناه للتو يعني أن الإنتروبيا في حالة الشكل الملتف أعلى من الإنتروبيا في الحالة الأخرى، حيث تُعبّر الإنتروبيا على المستوى الذري عن عدد الحالات الذرية المتاحة للنظام  Microstates، وهي بالطبع أكبر بكثير جدا في حالة الشكل الملتف كما قلنا، وتصبح هذه الحالة ها هنا هي الأكثر استقرارًا والتي يميل النظام لتحقيقها.

السلوك المرن للبوليمرات
شكل 5: يتدرج شكل الجزيئات من الحالة المستقيمة إلى كتل السلاسل الملتفة على بعضها، وتميل الجزيئات إلى تكوين عقد فيما بينها وهي روابط ضعيفة ولكن لها أثر بالغ في تفسير السلوك المرن للبوليمرات.

نستنتج مما سبق أنه عند تأثير الثقل بقوة شد على الحبل المطاطي فإن ما يحدث هو عملية فرد للسلاسل الذرية دون تغير الروابط بين الذرات، وبمجرد إزالة الثقل فإن المطاط يرجع إلى حالته المفضلة الأعلى في الإنتروبيا (الأكثر استقرارا)، وهو ما يُكسب المطاط مرونته.


كيف تؤثر الحرارة على مرونة المطاط؟

عند تسخين الحبل المطاطي؛ تزداد الحركة الالتوائية للجزيئات، وبالتالي زيادة احتمالية تكوين عُقَد أكثر بين الجزيئات، مما يعني أن المطاط يسعى بقوة أكبر إلى حالته الأكثر في الإنتروبيا، وبالتالي يقاوم الشد أكثر، وحينئذٍ تلزم قوة أكبر ليظل الحبل محتفظًا باستطالته، وطالما لم يتغير الثقل؛ فقوة الشد هي نفسها لم تتغير. والنتيجة أن الحبل هو من يشد الثقل لأعلى، أي أن الحبل ينكمش بزيادة درجة الحرارة.

معنى ما سبق ببساطة شديدة أن مرونة الحبل ازدادت بالتسخين، ولاحظ أن المرونة تعني مقاومة المادة للتغير المؤقت في أبعادها (على عكس ما يقتضيه المعنى الدارج لمصطلح المرونة)، وبزيادة المرونة أصبحت مضطرًا لأن تؤثر بقوة أكبر حتى تُحدث الاستطالة نفسها (حتى يبقى الحبل في موضعه).

وبطريقة أخرى، تخبرنا الديناميكا الحرارية أن الانتقال من الحالة الأعلى في الإنتروبيا إلى الحالة الأقل يصاحبه فقد في الطاقة، والتي تخرج هنا على هيئة حرارة، والعكس صحيح. وبالتالي إعطاء المطاط حرارة يصاحبه انتقال لحالة أعلى في الإنتروبيا، والتي هي الحالة الأقل في الطول بالنسبة للحبل المطاطي كما نعرف (شكل 6). ويمكنك التأكد بنفسك عن طريق وضع قطعة من المطاط بين شفتيك وشدّها؛ وستشعر بسخونة الحبل عند تمدده. وبالطبع، الآن تعرف السبب بوضوح!

الإنتروبيا Entropy
شكل 6: عند التسخين تزداد حركة الجزيئات وبالتالي تزداد قدرتها على تكوين عقد، والتي تعمل على الوصول للحالة الأكثر التفافا (الأكبر من حيت الإنتروبيا S)، والتي هي أقل من حيث الاستطالة أيضًا.

يجاوب العالم الكبير ريتشارد فاينمان على نفس السؤال فيقول: “عندما تشد حبل مطاطي؛ فإن سلسلة من الذرات تصبح أكثر استقامة، ولكن سلاسل أخرى موجودة على طرفيها تحاول الارتباط بالسلسلة مكونة عُقَد، وهو ما يظهر لك على هيئة مقاومة المطاط للشد. هذه المقاومة ما هي إلا حركة جزيئية، وعندما تُسخّن المطاط تزداد هذه الحركة، وبالتالي تزداد المقاومة للشد؛ فينكمش الحبل المطاطي”.


تطبيق هندسي

إنه لمن المثير للغاية أن نستغل ظاهرة المرونة غير المعتادة للحبل المطاطي المشدود في تطبيق هندسي. هذا التطبيق عبارة عن استبدال أحبال مطاطية مشدودة بالأسلاك المعدنية في عجلة دوارة (شكل 7)، ثم تسليط مصدر للحرارة على إطار العجلة، وليكن عدة مصابيح كهربية. عندما ترتفع درجة حرارة المطاط القريب من مصدر الحرارة؛ ينكمش، مما يشد الإطار إلى مركز العجلة مسببًا خلل في توازنها، وبالتالي تدور العجلة تحت تأثير قوة الوزن، وتبتعد الأحبال الساخنة عن مصدر الحرارة وتحل مكانها الأحبال الأخرى الباردة، وتستمر العملية.

تطبيق هندسي على الانتروبيا
شكل 7: عجلة دوارة تعمل بالإنتروبيا.

 

يجدر بي الإشارة إلى أن كفاءة هذا المحرك الحراري ضئيلة جدا لدرجة تمكنك من إبطال حركته بأحد أصابعك ولكن مع نوع آخر من البوليمر المشدود بصورة كبيرة، ومصدر حراري مكثف ورخيص يمكننا الوصول لكفاءة أعلى. أو ربما يصل أحد قارئي هذا المقال لتصور أفضل عن طريقة نستغل بها هذه الظاهرة المثيرة للغاية.

 

:References

[1] .The Feynman lectures on Physics, Volume II, Chapter 38: Elasticity

 [2] Atomistic Basis of Elasticity, David Roylance, Department of Materials Science and Engineering, Massachusetts Institute of Technology, Cambridge, MA 02139, January 27, 2000

[3] .General Chemistry: Principles, Patterns, and Applications, 8.2: Ionic Bonding

 [4] Thermodynamics in Materials Science, Robert DeHoff, second edition, Chapter 5: Equilibrium in Thermodynamic System.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

المساهمون في المقال

كتابة: محمد عبد العليم

تصميم: أسامة محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *